فصل: تابع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الخِطط المقريزية المسمى بـ «المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار» **


 قال‏:‏ فمن جملة الأوقاف بركة الأشراف المشهورة ببركة الحبش وهذه البركة حدودها أربعة الحدّ القبليّ ينتهي بعضه إلى أرض العدوية يفصل بينهما جسر هناك وباقيه إلى غيطان بساتين الوزير والحدّ البحريّ ينتهي بضعه إلى أبنية الآدر التي هناك المطلة عليها وإلى الطريق وإلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الشعيبية‏.‏

والحدّ الشرقيّ إلى حدّ بساتين الوزير المذكورة والحدّ الغربيّ ينتهي إلى بعضه إلى بحر النيل وإلى أراضي دير الدين وإلى بعض حقوق جزيرة ابن الصابونيّ وجسر بستان المعشوق الذي هو من حقوق الجزيرة المذكورة وهذه البركة وقف الأشراف الأقارب والطالبيين نصفين بينهما بالسوية والذي شاهدته من أمرها أني وقفت على أسجال قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف السنجاريّ رحمة الله تعالى عليه تاريخه ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة وهو حين ذاك حاكم القاهرة والوجه البحريّ على محضر شهد فيه بالاستفاضة أن نصف هذه البركة وقف على الأشراف الأقارب الحسينيين وثبت ذلك عنده ورأيت أسجال الشيخ قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله على محضر شهد فيه بالاستفاضة وهو حين ذلك قاضي مصر والوجه القبليّ وأشهد عليه أن ثبت عنده أن البركة المذكورة جميعها وقف على الأشراف الطالبيين وتاريخ اسجالة التاسع والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة ثم نفذهما قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة وهو قاضي القضة بالديار المصرية واستقرّ النصف من ربع هذه البركة على الأشراف الأقارب مع قلتهم والنصف على الأشراف الطالبيين مع كثرتهم وتنازعوا غير مرّة على أن تكون بينهم الجميع بالسوية فلم يقدروا على ذلك وعقد لهم مجل غير مرّة فلم يقدروا على تغييره وأحسن ما وصفت به بركة الحبش قول عيسى بن موسى الهاشميّ أمير مصر وقد خرج إلى الميدان الذي بطرف المقابر فقال لمن معه‏:‏ أتتأملون الذي أرى قالوا وما الذي يرى الأمير قال‏:‏ أرى ميدان رهان وجنان نخل وبستان شجر ومنزل سكنى وذروة جبل وجبانة أموات ونهر أعجاجا وأرض زرع ومراعي ماشية ومرتع خيل وساحل بحر وصائد نهر وقانص وحش وملاح سفينة وحادي بل ومفازة رمل وسهلًا وجبلًا فهذه ثمانية عشر منتزهًا في أقلّ من ميل في ميل وأين هذه الأوقاف من وصف بعضهم قصر أنس بالبصرة في قوله‏:‏ زر وادي القصرِ نعضم القصرَ والوادي لا بدّ من زورةٍ من غيرِ ميعاد زره فليس له شيء يشكلهُ من منزلٍ حاضر إن شئت أوبادي تلقى به السفنُ والأعياسُ حاضرةٌ والضبُ والنونُ والملاحُ والحادي وقال‏:‏ زر واديَ القصر نعمّ القصرَ والوادي وحبذا أهله من حاضرٍ بادي هكذا أنشدهما أبو الفرج الأصبهانيّ رحمه الله تعالى في كتاب الأغاني ونسبهما لابن عيينه بن المنهال بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة شاعر من ساكني البصرة وقيل أن اسمه عذرة وقيل اسمه عيينة وكنيته أبو المنهال وكان بعد المائتين وأنشد أبو العلاء المعريّ في رسالة الصاهل والساحج‏:‏ يا صاحِ بأهلِ القصرِ والوادي وحبذا أهلُهُ من حاضر بادي ترى قراقرة والعيسُ واقفةً والضبُ والنونُ والملاحُ والحاديُ وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ‏.‏

وفي هذا الوقت من السنة يعني أيام النيل تكون أرض مصر أحسن شيء منظرًا ولا سيما منتزهاتها المشهورة ودياراتها المطروقة كالجزيرة والجيزة وبركة الحبش وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة والقصف ويتناوبها ذوو الآداب والطرف واتفق أن خرجنا في مثل هذا الزمان إلى بركة الحبش وافترشنا من زهرها أحسن بساط واستظللنا من دوحها بأوفى رواق فظللنا نتعاطى من زجاجات الأقدام شموسًا في خلع بدور وجسوم نار في غلائل نور إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء‏.‏

ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء فقال بعضهم‏:‏ وهو أمية المذكور من قوله المشهور‏:‏ لله يومي ببركةِ الحبشِ واوفق بين الضياءِ والغبشِ ونحن في روضة مفوّفة دُبّجِ بالنَّورِ عطفها ووشي قد نسجتها يد الغمام لِنا فنحنُ من نسجها على فرشِ فعاطني الراحَ إنَّ تاركها من سورة الهمّ غيرَ منتعشِ وأثقَلُ الناسِ كلهم رجلٌ دعاهُ داعي الهوى فلم يطشِ فأسقني بالكبار مترعةً فهنّ أشفى لشدّةِ العطشِ وقال أيضًا‏:‏ علل فؤادك باللذاتِ والطربِ وباكرِ الرّاحَ بالباناتِ والنخبَ أما ترى البركةَ الغناءَ لابسةً وشيًا من النورِ حاكَتْهُ يدُ السحبِ وأصبحتْ من جديدِ الروض في حِل - لٍ قد أبرز القطرُ منها كل محتجبِ من سوسنٍ شرقٍ بالطلِّ محجرهُ وأقحوانٍ شهيِّ الظلمُ والشنبِ فانظر إلى الورد يحكي خدّ محتشمٍ ونرجسٍ ظلّ يُبدي لحظَ مرتقبِ والنيلُ من ذهبٍ يطفو على ورقٍ والرامحُ من ورقٍ يطفو على ذهبَ فاطرُبْ ودونكَها فاشربء فقد بَعَثَتْ على التصابي دواعي اللهوِ والطربِ وقال‏:‏ يا نزهة الرصد المصري قد جمعت من كلّ شيء حلا في جانب الوادي فذا غديرٌ وذا روضٌ وذا جبلٌ والضبُ والنونُ والملاحُ والحادي وقال ابراهيم بن الرفيق في تاريخه‏:‏ حدّثني محمد الكهينيّ وكان أديبًا فاضلًا قد سافر ورأى بلدان المشرق قال‏:‏ ما رأيتُ قطُّ أجمل من أيام النوروز والغيطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم رغبة في القصف والعزف وذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلاّ خرج إلى بركة الحبش متنزهًا فيضربون عليها المضارب الجليلة والسرادقات والقباب والشراعات ويخرجون بالأهل والولد ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحرّرات فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة أربهم وينصرفون فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبة واحدة ويركب الأمير تميم في عشاري ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعامًا ومشروبًا فإن كانت الليالي مقمرة وإلاّ كان معه من الشموع ما يعيد الليل نهارًا فيأمر لهم به ويأمر لمن يغني لهم‏.‏

وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامّة ليله ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة فلا يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام ويتفرّق الناس‏.‏

وقال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفيّ وتوفي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة يصف بركة الحبش في أيام الربيع‏:‏ إذا زيّنَ الحسنَاءَ قِرْطٌ فهذهِ يزينها من كلِّ ناحيةٍ قِرْطُ رقرقَ فيها أدمعُ الطلِّ غدرة فقلتُ لآلِ قد تضمنها قرطُ وقال ابن سعيد في كتاب المغرب‏:‏ وخرجتُ مرَّةً حيث بركة الحبش التي يقول فيها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ عفا الله عنه‏:‏ لله يومي ببركة الحبشِ والأفقُ بين الضياءِ والغبشِ والنيلُ تحتَ الرياحِ مضطربٍ كصارمٍ في يمين مرتعشِ عانيتُ من هذه البركة أيام فيض النيل عليها أبهج منظر ثم زرتها أيام غاص الماء وبقيت فيها مقطعات بين خضر من القرط والكتان تفتن الناظر وفيها أقول‏:‏ يا بركة الحبشِ التي يومي بها طولُ الزمانِ مباركٌ وسعيدُ يا حسن ما يبدو بكِ الكتانُ في نوارِهِ أوزرّهِ معقودُ والماءُ منكِ سيوفهُ مسلولةٌ والقرطُ فيكِ رواقهُ ممدودُ وكأنَّ ابراجًا عليكِ عرائسٌ جُليتْ وطيركُ حولها غرّيدُ يا ليتَ شعري هل زمانكِ عائدٌ فالشوقُ فيه مبدىءٌ ومعيدُ وكان ماء النيل يدخل إلى بركة الحبش من خليج بني وائل وكان خليج بني وائل مما يلي باب مصر من الجهة القبلية الذي يُعرف إلى يومنا هذا بباب القنطرة من أجل أن هذه القنطرة كانت هناك‏.‏

قال ابن المتوج‏:‏ ورأيت ماء النيل في زمن النيل يدخل من تحته إلى خليج بني وائل‏.‏

قلتُ وفي أيام الناصر محمد بن قلاون استولى النشو ناظر الخاص على بركة الحبش وصار يدفع إلى الأشراف من بيت المال مالًا في كل سنة فلما مات الناصر وقام من بعده ابنه المنصور أبو بكر أعيدت لهم‏.‏

الماردانيّ هو أبو بكر محمد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد‏.‏

وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم‏.‏

وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن عيسى بن رستم الماردانيَ أحد عظماء الدنيا‏.‏

ولد بنصيبين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين وخلف أباه عليّ بن أحمد الماردانيّ أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة وكان معتدل الكتابة ضعيف الحظ من النحو واللغة ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة فمن دونه على البديهة من غير نسخة فيخرج الكتاب سليمًا من الخلل‏.‏

ولما قُتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين استوزره هارون بن خماريه فدبَّر أمر مصر إلى أن قدم محمد بن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر وأزال دولة بني طولون وحمل رجالهم إلى العراق فكان أبو بكر ممن حمله فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال خباسة فدبر أمر البلد وأمر ونهى وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبار العطارديّ وغيره بسماعه منهم في بغداد وكان قليل الطلب للعلم تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم ويكثر من الصلاة ويواظب على الحج وملك بمصر مع الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله وبلغ ارتفاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار سوى الخراج ووهب وأعطى وولى وصرف وأفضل ومنع ورفع ووضع وحج سبًا وعشرين حجة أنفق في كل حجة منها مائة وخمسين ألف دينار وكان تكين أمير مصر يشيعه إذا خرج للحج ويتلقاه إذا قدم وكان يحمل إلى الحجاز جميع ما يحتاج إليه ويفرّق بالحرمين الذهب والفضة والثياب والحلوى والطيب والحبوب ولا يفارق أهل الحجاز إلاّ وقد أغناهم‏.‏

وقيل مرّة وهو بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ما بات في هذه الليلة أحد بمكة والمدينة وأعمالهما إلاّ وهو شعبان من طعام أبي بكر الماردانيّ‏.‏

ولما قدم الأمير محمد بن طفج الإخشيد إلى مصر استتر منه فإنه كان منعه من دخول مصر وجمع العساكر لقتاله فاجتمع له زيادة على ثلاثين ألف مقاتل وحارب بهم بعد موت تكين أمير مصر ومرّت به خطوب لكثرة فتن مصر إذ ذاك وأحرقت دوره ودور أهله ومجاوريه وأُخذت أمواله واستتر فقُبض على خليفته وعماله فكتب إلى بغداد يسأل إمارة مصر وكتب محمد بن تكين بالقدس يسأل ذلك فعاد الجواب بإمارة ابن تكين وأن يكون المارداني يدبر أمر مصر ويولي من شاء فظهر عند ذلك ن الاستتار وأمر ونهى ودبر أمر البلد وصار الجيش بأسره يغدو إلى بابه فانفق في جماعة واصطنع قومًا وقتل عدّة من أصحاب ابن تكين وكان محمد بن تكين بالقدس وأمر مصر كله للماردانيّ بمفرده ومعه أحمد بن كيغلغ وقد قدم من بغداد بولاية ابن تكين على مصر وولاية أبي بكر الماردانيّ تدبير الأمور فاستمال أبو بكر أحمد بن كيغلغ حتى صار معه على ابن تكين وحاربه وكان من أمره ما كان إلى أن قدمت عساكر الإخشيد فقام أبو بكر لمحاربتهم ومنع الإخشيد من مصر فكان الإخشيد غالبًا له ودخل البلد فاستتر منه أبو بكر إلى أن دُلّ علهي فأخذ وسلمه إلى الفضل بن جعفر بن الفرات فلما صار إلى ابن الفرات قال له‏:‏ إش هذا الاستيحاش والتستر وأ ت تعلم أن الحج قد أظلّ ويحتاج لإقامة الحج فقال به أبو بكر‏:‏ إن كان إليّ فخمسة عشر ألف دينار فقال ابن الفرات‏:‏ أيش خمسة عشر ألف دينار قال ما عندي غير هذا فقال ابن الفرات‏:‏ بهذا ضربت وجه السلطان بالسيف ومنعت أمير البلد من الدخول‏.‏

ثم صاح يا شادن خذه إليك فأقيم وأُدخل إلى بيت وكان يومئذ صائمًا فامتنع من تناول الطعام والشراب ولزم تلاوة القرآن والصلاة طول يومه وليلته وأصبح فامتنع ابن الفرات من الأكل إجلالًا له فلما كان وقت الفطر من الليلة الثانية امتنع أبو بكر من الفطر كما امتنع في الليلة الأولى فامتنع ابن الفرات أيضًا من الأكل وقال‏:‏ لا آكل أبدًا أو يأكل أبو بكر فلما بلغ ذلك أبا بكر أكل فأخذ ابن الفرات في مصادرته وقبض على ضياعه التي بالشام ومصر وتتبع أسباب‏.‏

ثم خرج به معه إلى الشام وعاد به إلىمصر ثم خرج به ثانيًا إلى الشام فمات الفضل بن الفرات بالرملة ورجع أبو بكر إلى مصر فردّ إيه الإخشيد أمور مصر كلها وخلع على ابنه وتقلد السيف ولبس المنطقة ولبس أبو بكر الدراعة تنزهًا ثم تنكر عليه الإخشيد وقبضه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وجعله في دار وأعدّ له فيها من الفرض والآلات والأواني والملبوس والطيب والطرائف وأنواع المآكل والمشارب ما بلع فيه الغاية وتفقدها بنفسه وطافها كلها فقيل له علمت هذا كله لمحمد بن عليّ الماردانيّ فقال‏:‏ نعم هذا ملك وأردت أ لا يحتقر بشيء لنا ولا يحتاج أن يطلب حاجة إلاّ وجدها فإنه إن فقد عندنا شيئًا ما يريده استدعى به من داره فنسقط نحن من عينيه عند ذلك فلم يزل معتقلًا حتى خرج الإخشيد إلى لقاء أمير المؤمنين المتقي لله فحمله معه ولما مات الإخشيد بدمشق كان أبو بكر بمصر فقام بأمر أونوجور بن الإخشيد وقبض على محمد بن مقاتل وزير الإخشيد وأمر ونهى وصرف الأور إلى أن كانت واقعة غلبون واتصال أبي بكر به فلما عادت الإخشيدية قُبض على أبي بكر ونُهبت دوره وأُحرق بعضها وأُخذ ابنه وقام أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بأمر الوزارة فعندما قدم كافور الإخشيدي من الشام بالعساكر التي كانت مع الإخشيد أطلق أبا بكر وأكرمه وردّ ضياعه وضياع ابنه فلما ماتت أمّ ولده لحقه كافور ومعه الأمير أونوجور عند المقابر وترجلا له وعزياه ثم ركبا معه حتى صليا عليها فلما مرض موته عاده كافور مرارًا له وعزياه ثم ركبا معه حتى صليا عليها فلما مرض موته عاده كافور مرارًا إلى أن مات في شهر شوال سنة خمس وأربعين وثلاثمائة فدفن بداره‏.‏

ثم نقل إلى المقابر بكرة وعشية فيقف له الموكب حتى يمضي إلى تربة أولاده وأهله فيقرأ عندهم ويدعو لهم وينصرف إلى المساجد في الصحراء فيصلى بها والناس وقوف له إلاَّ أنه كان في غاية العجلة لا يراجع فيما يريده ولو كان ما كان ولما أراد المقتدر أن يقيم وزيرًا كتبت رقعة فيها أسماء جماعة وأنفذت إلى عليّ بن عيسى ليشير بواحد منهم وكان أبو بكر ممن كتب معهم اسمه فكتب تحت كل اسم واحد منهم ما يستحقه من الوصف وكتب تحت اسم أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ‏:‏ مترف عجول وبنى أبو بكر السقايات والمساجد في المغافر وفي يحصب وبني وائل وليس لشيء منها اليوم أثر يُعرف ومرّت به في هذا الكتاب أخبار وقد أفرد له ابن زولاق سيرة كبيرة وهذا منها والله أعلم‏.‏

بساتين الوزير هذه البساتين في الجهة القبلية من بركة الحبش وهي قرية فيها عدّة مساكن وبساتين كثيرة وبها جامع تقام فيه الجمعة وعرفت بالوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ وبنو المغربيّ أصلهم من البصرة وصاروا إلى بغداد وكان أبو الحسن عليّ بن محمد تخلف على ديوان المغرب ببغداد فنسب به إلى المغرب وولد ابنه الحسين بن عليّ ببغداد فتقلد أعمالًا كثيرة منها‏:‏ تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر الدولة ببغداد وكان خال ولده عليّ وهو أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوراجيّ الذي مدحه أبو الطيب المتنبي من أصحاب أبي بكر محمد بن رائق فلما لحق بن رائق ما لحقه بالموصل صار الحسين بن عليّ بن المغربي إلى الشام ولقي الإخشيد وأقام عنده وصار ابنه أبو الحسن عليّ بن الحسين ببغداد فأنفذ الإخشيد غلام فاتك المجنون فحمله ومن يليه إلى مصر ثم خرج ابن المغربيّ من مصر إلى حلب ولحق به سائر أهله ونزلوا عند سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان مدّة حياته وتخصص به الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ ومدحه أبو نصر بن بناته وتخصص أيضًا عليّ بن الحسين بسعد الدولة بن حمدان ومدحه أبو العباس النامي ثم شجر بينه وبين ابن حمدان ففارقه وصار إلى بكجور بالرقة فحسن له مكاتبة العزيز بالله نزار والتحيز إليه فلما وردت على العزيز مكاتبة بكجور قبله واستدعاه وخرج من الرقة يريد دمشق فوافاه عبد العزيز بولاية دمشق وخلفه فتسلمها وخرج لمحاربة ابن حمدان بحلب بمشورة عليّ بن المغربيّ فلم يتم له أمر وتأخر عنه من كاتبه فقال لابن المغربيّ‏:‏ غررتني فيما أشرت به عليّ‏.‏

وتنكر له ففرّ منه إلى الرقة وكانت بين بكجور وبين ابن حمدان خطوب آلت إلى قتل ابن بكجور ومسير ابن حمدان إلى الرقة ففرّ ابن المغربيّ منها إلى الكوفة وكاتب العزيز بالله يستأذنه في القدوم فأذن له وقدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وخدم بها وتقدّم في الخدم فحرّض العزيز على أخذ حلب فقلد ينجوتكين بلاد الشام وضم إليه أبا الحسن بن المغربيّ ليقوم بكتابته ونظر الشام وتدبير الرجال والأموال فسار إلى دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وخرج إلى حلب وحارب أبا الفضائل بن حمدان وغلامه لؤلؤ فكاتب لؤلؤ أبا الحسن بن المغربيّ واستماله حتى صرف ينجوتكين عن محاربة حلب وعاد إلى دمشق وبلغ ذلك العزيز بالله فاشتدّ حنقه على ابن المغربيّ وصرفه بصالح بن عليّ الروذباديّ واستقدم ابن المغربيّ إلى مصر ولم يزل بها حتى مات العزيز بالله وقام من بعده ابنه الحاكم بأمر الله أبو عليّ منصور فكان هو وولده أبو القاسم حسين من جلسائه فلما شرع الحاكم بأمر الله في قتل رجال الدولة من القوّاد والكتاب والقضاة قبض على عليّ ومحمد ابني المغربيّ وقتلهما ففرّ منه أبو القاسم حسين بن عليّ بن المغربيّ إلى حسان بن مفرّج بن الجرّاح فأجاره وقلد الحاكم يارجتكين الشام فخافه ابن جرّاح لكثرة عساكره فحسن له ابن المغربيّ مهاجمته فطرق يارجتكين في مسيره على غفلة وأسره عاد إلى الرملة فشن الغارات على رساتيقها وخرج العسكر الذي بالرملة فقاتل العرب قتالًا شديدًا كادت العرب أن تنهزم لولا ثبّتها ابن المغربيّ وأشار عليهم بإشهار النداء بإباحة النهب والغنيمة فثبتوا ونادوا في الناس فاجتمع لهم خلق كثير وزحفوا إلى الرملة فملكوها وبالغوا في النهب والهتك والقتل فانزعج الحاكم لذلك انزعاجًا عظيمًا وكتب إلى مفرّج بن جرّاح يحذره سوء العاقبة ويلزمه بإطلاق يارجتكين من يد حسان ابنه‏.‏

وإرساله إلى القاهرة ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار فبادر ابن المغربيّ لما بلغه ذلك إلى حسان ومازال يغريه بقتل يارجتكين حتى أحضره وضرب عنقه فشق ذلك على مفرّج وعلم أنه فسد ما بينهم وبين الحاكم فأخذ ابن المغربيّ يحسن لمفرّج خلع طاعة الحاكم والدعاء لغيره إلى أن استجاب له فراسل أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلويّ أمير مكة يدعوه إلى الخلافة وسهل له الأمر وسير إليه بابن المغربيّ يحثه على المسير وجرّأه على أخذ مال تركه بعض المياسير ونزع المحاريب الذهب والفضة المنصوبة على الكعبة وضربها دنانير دراهم وسماها الكعبية وخرج ابن المغربيّ من مكة فدعا العرب من سليم وهلال وعوف بن عامر ثم سار به وبمن اجتمع عليه من العرب حتى نزل الرملة فتلقاه بنو الجرّاح وقبلوا له الأرض وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ونادى في الناس بالأمان وصلّى بالناس الجمعة فامتغص الحاكم لذلك وأخذ في استمالة حسان ومفرّج وغيرهما وبذلك لهم الأموال فتنكروا على أبي الفتوح وقلد أيضًا مكة بعض بني عمّ أبي الفتوح فضعف أمره وأحس من حسان بالغدر فرجع إلى مكة وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره وأما ابن المغربيّ فإنه لما انحلّ أمر أبي الفتوح ورأى ميل بني الجرّاح إلى الحاكم كتب إليه‏:‏ وأنتَ حسبي أنتَ تعلم أنَّ لي لسانًا أمامَ المجد يبني ويهدمُ وليسَ حليمًا من تُباسُ يمينُهُ فيرضى ولكنْ من تعُضُ فيحلُمُ فسير إليه أمانًا بخطه وتوجه ابن المغربيّ قبل وصول أمان الحاكم إليه إلى بغداد وبلغ القادر بالله خبره فاتهمه بأنه قدم في فساد الدولة العباسية فخرج إلى واسط واستعطف القادر فعطف عليه وعاد إلى بغداد ثم مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب وسار معه إلى الموصل فأقام بها مدّة وخافه وزير قرواش فأخرجه إلى ديار بكر فأقام عند أميرها نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان الكرديّ وتصرّف له وكان يلبس في هذه المدّة المرقة والصوف فلما تصرّف غير لباسه وانكشف حاله فصار كمن قيل فيه ابتاع غلامًا تركيًا كان يهواه قبل أن يبتاعه‏:‏ تبدّلَ من مرقعةٍ نسكٍ بأنواعِ الممسّكِ والشفوفِ وعنَّ لهُ غزالٌ ليس يحوي هواهُ ولا رضاهُ بلبسِ صوفِ فعاد أشدّ ما كان انتهاكًا كذاك الدهرِ مختلفِ الصروفِ وأقام هناك مدّة طويلة في أعلى حال وأجل رتبة وأعظم منزلة ثم كوتب بالمسير إلى الموصل ليستوزره صاحبها فسار عن ميافارقين وديار بكر إلى الموصل فتقلد وزارتها وتردّد إلى بغداد في الوساطة بين صاحب الموصل وبين السلطان أبي عليّ بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي عليّ بن بوي واجتمع برؤساء الديلم والأتراك وتحدّث في وزارة الحضرة حتى تقلدها بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدراعة في شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة فأقام شهورًا وأغرى رجال الدولة بعضهم ببعض وكانت أمور طويلة آلت إلى خروجه من الحضرة لى قرواش فتجدّد للقادر بالله فيه سواء ظنّ بسبب ما أثار من الفتنة العظيمة بالكوفة حتى ذهبت فيها عدّة نفوس وأموال ففرّ إلى أبي نصر بن مروان فأكره وأقطعه ضياعًا وأقام عنده فكوتب من بغداد بالعود إليها فبرز عن ميافارقين يريد المسير إلى بغداد فسُمَّ هناك وعادى إلى المدينة فمات بها لأيام خلت من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة ومولده بمصر ليلة الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة‏.‏

وكان أسمر شديد السمرة بساطًا عالمًا بليغًا مترسلًا متفننًا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنحوية مشارًا إليه في قوّة الذكاء والفطنة وسرعة الخاطر والبديهة عظيم القدر صاحب سياسة وتدبير وحيل كثيرة وأمور عظام دوّخ الممالك وقلَّب الدول وسمع الحديث وروى وصنف عدّة تصانيف وكان ملولًا حقودًا لا تلين كبه لا تنحلّ عقده‏.‏

ولا يحني عوده ولا ترجى وعوده وله رأي يزين له العقوق ويبغض إليه رعاية الحقوق كأنه من كبره قد ركب الفلك واستولى على ذات الحبك وكان بمصر من بني المغربيّ أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين المغربيّ قد قتل الحاكم جدّه محمدًا مع أبيه عليّ بن الحسين كما تقدّم فلما نشأ أبو جعفر سار إلى العراق وخدم هناك وتنقلت به الأحوال ثم عاد إلى مصر واصطنعه الوزير البارزيّ وولاه ديوان الجيش وكانت السيدة أم المستنصر بالله تعني به فلما مات الزير البارزيّ واعتقله فتقرّرت له الوزارة وهو في الاعتقال وخلع عليه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد صفيّ أمير المؤمنين وخالصته فما تعرّض لأحد ولا فعل في البابليّ ما فعله البابليّ فيه وفي أصحاب البارزيّ فأقام سنتين وشهورًا وصُرف في تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وكان الوزراء إذا صرفوا لم يتصرّفوا فاقترح أبو الفرج بن المغربيّ لما صرف أن يتولى بعض الدواوين فوليَ ديوان الإنشاء الذي يعرف اليوم بوظيفة كاتب السرّ وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر واستحدث استخدام الوزراء بعد صرفهم عن الوزارة ولم يزل نابه القدر إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة‏.‏